الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

21

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

القرآن الكريم هذا الفصل بهذه الجملة : ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ومن المسلم أن المراد من هذه الآيات هنا ليس كل المعجزات التي ظهرت على يد موسى ( عليه السلام ) طيلة حياته في مصر . بل مرتبطة بالمعجزات التي أراها فرعون في بداية دعوته ، معجزة العصا ، واليد البيضاء ، ومحتوى دعوته السماوية الجامعة ، والتي كانت بنفسها دليلا حيا على أحقيته ، ولذلك تطالعنا بعد هذه الحادثة مسألة المواجهة بين السحرة وموسى ( عليه السلام ) ومعجزاته الجديدة . والآن ، لنر ماذا قال فرعون الطاغي المستكبر العنود في مقابل موسى ومعجزاته ، وكيف اتهمه كما هي عادة كل المتسلطين والحكام المتعنتين : قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى وهو إشارة إلى أننا نعلم أن مسألة النبوة والدعوة إلى التوحيد ، وإظهار هذه المعجزات تشكل بمجموعها خطة منسقة للانتصار علينا ، وبالتالي إخراجنا مع الأقباط من أرض آبائنا وأجدادنا ، فليس هدفك الدعوة إلى التوحيد ، ولا نجاة وتخليص بني إسرائيل ، بل هدفك الوصول إلى الحكم والسيطرة على هذه الأرض ، وإخراج المعارضين ! إن هذه التهمة هي نفس الحربة التي يستخدمها الطواغيت والمستعمرون على امتداد التاريخ ، ويلوحون بها ويشهرونها كلما رأوا أنفسهم في خطر ، ومن أجل إثارة الناس لصالحهم يثيرون مسألة تعرض مصالح البلد للخطر ، فالبلد يعني حكومة هؤلاء العتاة ، ووجوده يعني وجودهم ! ويعتقد بعض المفسرين أن الهدف من جلب بني إسرائيل إلى مصر ، والاحتفاظ بهم في هذه الأرض لم يكن من أجل استغلال قواهم كعبيد وحسب ، بل إنهم في الوقت نفسه كانوا لا يريدون لبني إسرائيل ، الذين كانوا قوما أقوياء ، أن يتحولوا إلى قوة ومصدر خطر . وكذلك لم يكن الأمر بقتل الذكور للخوف من ولادة موسى فقط ، بل للوقوف أمام قوتهم والحد منها ، وهذا عمل يقوم به كل الأقوياء الظالمين ، وبناء على هذا فإن خروج بني إسرائيل - حسب طلب موسى -